يروي ريهاب عليوة في هذا التقرير قصة معاناة الفلسطينيين في مصر، حيث يجدون أنفسهم عالقين بين خيارين قاسيين: العودة إلى وطن مدمّر أو البقاء في وضع قانوني هش بلا إقامة مستقرة.

 

ينقل موقع قنطرة صورة معقّدة لحياة آلاف الفلسطينيين الذين نزحوا إلى مصر خلال الحرب، حيث تتداخل الاعتبارات الإنسانية مع القيود القانونية والظروف الاقتصادية، لتجعل قرار العودة محفوفًا بالمخاطر.

 

بين الوطن والعلاج: قرارات مؤلمة

 

تعيش نهى سليمان مع طفلتيها قرب القاهرة، بينما يقيم زوجها في خيمة داخل قطاع غزة. تستعرض صورًا قديمة تجمعها بأسرتها قبل الحرب، ثم تحكي كيف فرّق النزاع بينهم. تعجز عن العودة بسبب علاج ابنتها مريم، التي تعاني من حمى البحر المتوسط، وهو علاج غير متوفر في غزة.

 

وصلت نهى إلى مصر عام 2024 بحثًا عن الرعاية الطبية، ومع إعادة فتح معبر رفح في فبراير، عاد بعض الفلسطينيين، لكنها اختارت البقاء حفاظًا على صحة ابنتها. تتحمل تكاليف العلاج، التي تبلغ نحو 10 آلاف جنيه، عبر تبرعات متقطعة أو الاقتراض، بينما تعمل بدوام جزئي بدخل محدود.

 

تكشف قصتها مفارقة مؤلمة: الحياة في مصر صعبة، لكنها تظل أقل خطرًا من العودة إلى بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية.

 

قيود الإقامة والخوف من العودة

 

يدفع غياب الإقامة القانونية كثيرًا من الفلسطينيين إلى التفكير في العودة، رغم المخاطر. لا تستطيع نهى تسجيل طفلتيها في المدارس الحكومية، فتضطر لإلحاقهما بمعهد أزهري. يعكس هذا الوضع أزمة أوسع يعيشها نحو 110 آلاف فلسطيني في مصر، عاد منهم أقل من ألف حتى نهاية فبراير.

 

يشرح نشطاء فلسطينيون أن الإجراءات الإسرائيلية تعرقل العودة، حيث يواجه العائدون تفتيشًا مهينًا ومصادرة لممتلكاتهم. كما يخشى كثير من الرجال، خاصة دون الأربعين، التسجيل للعودة خوفًا من الاعتقال أو المنع عند المعبر.

 

يفرض النظام المعمول به تسجيلًا إلكترونيًا عبر السفارة الفلسطينية، ثم تنسيقًا بين مصر وإسرائيل، لكن الجانب الإسرائيلي يرفض أحيانًا عبور بعض الأسماء في اللحظة الأخيرة دون توضيح أسباب.

 

معاناة يومية بين الفقر والانتظار

 

يعكس وضع فادي أبو قطة صورة أخرى للمعاناة. فقد ذراعيه في قصف داخل غزة، وجاء إلى مصر للعلاج وتركيب أطراف صناعية، لكنه لا يزال ينتظر متبرعًا يغطي التكلفة. يعيش في القاهرة ويعتمد على مساعدات من أصدقاء في غزة، في مفارقة قاسية حيث يرسل له من هم داخل الحرب المال بدلًا من العكس.

 

يفكر فادي في العودة رغم المخاطر، مدفوعًا برغبته في رؤية ابنته وضغوط الحياة اليومية. يوضح كيف يصبح القرار بين الأمان النسبي والفقر من جهة، والمخاطرة من أجل لمّ الشمل من جهة أخرى.

 

غياب الاستقرار حتى للأثرياء

 

لا تقتصر الأزمة على الفئات الفقيرة. يواجه رجال أعمال فلسطينيون أيضًا تحديات بسبب غياب الإقامة. يوضح محسن الخزندار، الذي انتقل مع عائلته إلى القاهرة، أنه رغم قدرته المالية، لا يستطيع الحصول على إقامة أو جنسية، ولا يقدر على الاستثمار بحرية.

 

يفسر ذلك بوجود قرار سياسي غير معلن يمنع توطين فلسطينيي غزة، في ظل مخاوف من ترسيخ خطط التهجير. تفرض هذه القيود حظرًا على فتح حسابات بنكية أو شراء أراضٍ أو إطلاق مشاريع، ما يعمّق حالة عدم الاستقرار.

 

ورغم ذلك، يؤكد الخزندار أن العودة إلى غزة تبقى حتمية للجميع، لكنه يشترط تحسن الأوضاع الأمنية وتوفير أساسيات الحياة قبل اتخاذ هذه الخطوة.

 

معادلة بلا حل واضح

 

تعكس هذه القصص واقعًا معقدًا، حيث يتقاطع الألم الإنساني مع الحسابات السياسية. يعيش الفلسطينيون في مصر بين انتظار طويل وأفق غير واضح، بينما تتحكم عوامل مثل العلاج، الفقر، الأمن، والإقامة في قراراتهم.

 

في النهاية، لا يبدو أن هناك خيارًا سهلًا. تفرض الحرب واقعًا قاسيًا يجعل كل قرار خسارة بشكل ما، سواء بالبقاء في الغربة دون استقرار، أو العودة إلى وطن لم يعد كما كان.

 

https://qantara.de/en/article/palestinians-egypt-time-return-gaza